بواسطة: المراقبة العامة بتاريخ : الأربعاء 10-02-2010 10:44 صباحا
إن مسألة التعصب والتشدد والتطرف أمر مرفوض منهجاً وحجة، لأن ذلك لا يسهم في بناء الوطن من ناحية، ولأنه يغفل حكمة الخالق في الاختلاف من ناحية ثانية. فالتعصب يقود إلى التجريح الشخصي الذي قد يصل إلى التكفير والتخوين والاتهام
....
الفكر الإنساني لا ينبغي أن يكون عليه حجر. والمساجلات الفكرية ليست مشروعة فقط بل وأساسية لتطور المجتمع. والتفكر سمة وفضيلة حث عليها ديننا ووردحولها العديد من الآيات القرآنية مما يحض على وجوب التفكر والتدبر وإعمال العقل. لكن الكوابيس في حياة المجتمعات تتشكل نتيجة جملة ممارسات لأفراد أو مجموعات تتسم بطابع استعدائي أو ترهيبي أو تخويني أو تمييزي، وقد يستغل الدين في هذا المنحى فتتحول الممارسات المجتمعية تلك إلى سلوك يفرض الوصاية على الناس في الأمور الدنيوية أو في حالات يكون فيها اختلاف سواء كان ذلك الاختلاف فقهيا أو ثقافيا اجتماعيا على يد من يعتقدون، والعياذ بالله، أنهم يملكون الحقيقة المطلقة، فينافسون الله عز وجل في تفرده بالعلم اللانهائي.
واحدة من القضايا التي أصبحت تشكل كابوساً يجثم ليل نهار ويشهر سيفه في كل نقاش هي قضية الاختلاط في مجتمعنا. ولقد تغول هذا المفهوم حتى بات خروج المرء مع زوجه محل شبهة، وضحك المرء مع زوجه محل شبهة وجلوسهما معاً في مطعم أو حديقة محل شبهة. فمن صنع هذا الكابوس؟ وكيف تمت صناعته؟ ومن هم المستفيدون من استمرار هذا الكابوس؟
كلنا يعرف أن المرأة على مر التاريخ والزمان وفي كل المجتمعات، زراعية كانت أم صناعية، كانت ومازالت جزءاً طبيعياً من المجتمع تمارس حياتها الاجتماعية والاقتصادية، بل وحتى السياسية بشكل تكون معه حاضرة في الحياة العامة بما يتطلبه ذلك الحضور من اختلاط طبيعي بالرجال. وهذا لا يعني بطبيعة الحال أن تتعمد الاختلاط من دون حاجة عملية له. فالمرأة في بيتها تكون حاضرة عند استقبال الضيوف وعند تقديم الوجبات وغيره. والمرأة أيضاً حاضرة في مجالس العلم والثقافة منذ الأزل تتلقى العلم وتعطيه في مجالس ضمت الرجال والنساء. والأهم من ذلك كله أن المرأة حاضرة في أداء العبادات الجماعية وأهمها الحج والعمرة، ولم يخصص الدين الحنيف يوماً للرجال وآخر للنساء في هذه العبادات. إلا أن هذا الحضور النسائي الطبيعي للمرأة في المجتمع تحول مؤخراً إلى كابوس يخشى منه وعليه، بسبب التشدد في الفكر والتعصب لفكر يرى وجوب إبعاد المرأة وفصلها عن أي نشاط يتطلب اختلاطها بالرجال.
في نظري أن كابوس الاختلاط إنما هو مرتبط أساساً بمسألة غطاء الوجه، والذي هو الآخر أعطي بعداً دينياً لا يسمح بالنقاش والمناظرة. بينما هو في أحسن الأحوال موضوع محل اختلاف، وغالبية علماء المسلمين لا تأخذ به ولا تأخذ بحرمة الاختلاط. إننا نعرف دون شك أن أركان الإسلام خمسة، والأركان كما توحي الدلالة اللغوية للمفردة، هي أساس الدين وجوهره. ثلاثة من هذه الأركان فردية، أي أنها تؤدى من قبل الفرد منفرداً (وهي النطق بالشهادة والصوم والزكاة). أما الركنان الآخران (الصلاة والحج) فهما يؤديان بشكل جماعي، أي أنهما يتيحان الاختلاط (رغم أنه يمكن للفرد تأدية الصلاة منفرداً)، وهو ما يقتضي تجمع الناس في هذين الركنين. ومن اللافت، وربما من الصادم للبعض، أنه في هذين الركنين كليهما أمرت المرأة بعدم تغطية وجهها. ولمن استسلمت لسلطان العرف في الطواف فغطت وجهها أوجب الدين عليها الفدية. من المفهوم إذن أن الغالبية العظمى من علماء المسلمين في شتى أصقاع المعمورة لم تر في "الاختلاط" أمراً ذا شأن. وفي الآونة الأخيرة قال بهذا أيضاً علماء أفاضل من المملكة لا يمكن أن نتهمهم (بعدم التخصص) كما دأب على ذلك كل من حاره أمر في النقاش مع مختلف. والاختلاط ممارس بشكل طبيعي في كل المجتمعات الإسلامية والعربية من ماليزيا وأندونيسيا، في الشرق إلى السودان ومصر إلى المغرب العربي، وغيرها من المجتمعات العربية والإسلامية.
غير أن الاختلاط في مجتمعنا، وخصوصاً بعد موجة تسييس الدين، أضحى موضوعاً يرفع إلى مقام المسلمات والأركان الدينية التي تخرج المختلف معها من الملة. ولقد وصل موضوع الاختلاط حداً يعكس تحول الرأي إلى كابوس. وللتدليل على ذلك أسوق مثالين حيين من واقعنا القريب. الأول هو المزايدة الدائمة على موضوع الاختلاط. وهذا ما يعكسه إرسال 50 خطاباً إلى رئيس مجلس إدارة الغرفة التجارية في جدة تحذره من اختلاط النساء بالرجال في الغرفة في الوقت الذي لم يصله خطاب واحد يحذر من الرشوة أو الفساد الإداري أو الظلم ونحن نمر في مرحلة تأسيسية لمناهضة الفساد على صعيد المجتمع بأسره. فلماذا تغيب قضايا الفساد الإداري عن فكر من رفع كل هذه الخطابات محذراً من الاختلاط؟ أما المثال الثاني على تفشي كابوس الاختلاط، ولو كان ذلك عن طريق الدخول في نيات من يعبر عن رأيه في طريقة مشاركة المرأة، فهو حادثة نادي الباحة الأدبي مؤخراً حيث قدم رئيس النادي شكوى للشرطة ضد الدكتور علي الرباعي للأخذ على يده حتى يتخلى عن "أفكاره الشيطانية" واصفاً إياه "بأعداء الدين" ومطالباً بعدم السماح له بدخول النادي أو التحدث من منبره لحماية الأخلاق من الرذيلة. وتجسد هذه الحادثة قمة الكوابيس التي نعيشها بخصوص الاختلاط والخوف من مشاركة المرأة الطبيعية في الحياة العامة.
إن مسألة التعصب والتشدد والتطرف أمر مرفوض منهجاً وحجة، لأن ذلك لا يسهم في بناء الوطن من ناحية، ولأنه يغفل حكمة الخالق في الاختلاف من ناحية ثانية. فالتعصب يقود إلى التجريح الشخصي الذي قد يصل إلى التكفير والتخوين والاتهام، مما يهدد أولاً وأخيراً لحمة المجتمع وبناءه الوطني. ولا يمكن والحالة هذه إلا أن نشرّع لحرية إبداء الرأي ضمن ضابطين: أولهما ألا يكون ذلك الرأي تجريحاً أو سباً لشخص. وثاني هذه الضوابط هو ألا يدعو الرأي للكراهية والعنف والتمييز. إذ إن المجتمعات إنما تبنى على مبدأ السلم الاجتماعي والعدالة وعلى قاعدة أساسية تقضي ألا حرية رأي لمن لا يؤمن أصلاً بحرية رأي الآخرين. وسيبقى الإسلام المعتدل.. لأنه الدين الحق الذي اختاره الله لكل عباده. http://www.alwatan.com.sa/news/writerdetail.asp?issueno=3421&id=17660&Rname=64