قالت: صادفت شيئا غريبا في شخصيات البعض منهم. لم أصادف مثلهم من قبل. لأول مرة أرى إنسانا يؤمن بفكرتين متناقضتين دون أن يوجعه رأسه. أفكار متضاربة متناقضة تتعايش في رأسه دون تصادم.
....
قبل مدة جمعت عدداً من الأسئلة التي يطرحها إخواننا المتشددون لإحراج محاوريهم. حاولت الإجابة عنها. قمت بعدها بجولة على مواقع من يطلقون على أنفسهم إسلاميين. جمعت لكم أهم ردودهم وتعليقاتهم. نشرت جزءا منها هنا في هذه الزاوية. لاحظتم الإسفاف واللغة الرديئة والمحاولات المستميتة للنيل من شخص الكاتب. لم يتطرق أي منهم للرد على فكرة المقال أو موضوع المقال. إجماع على لغة الإسفاف والمرارة والكراهية. . إجماع على أن يكون الرد قبيحا وأن يكون شخصيا. ردود أفعالهم تلك توحي أن هؤلاء يواجهون مشكلة ثقافية عميقة. ظننت في البداية أنها خاصة بهؤلاء. لكن مع الأسف لاحظت أنهم ليسوا وحدهم.
في منتصف الثمانينيات التقيت أستاذة جامعية أمريكية في إحدى المطارات. جلست معها بالصدفة.عندما عرفت أني سعودي شعرت بالسعادة( هذا الكلام قبل تفجيرات ابن لادن وجماعاته). قالت إنها تحب السعوديين. درست عددا منهم. أقامت صداقة مع عدد منهم( صداقة أخوية طبعا). وبعد حوارات طويلة عريضة قالت: هناك عيب في بعض السعوديين هل لديك مانع تسمعه.قلت: اسمعه بكل سرور. قالت: صادفت شيئا غريبا في شخصيات البعض منهم. لم أصادف مثلهم من قبل. لأول مرة أرى إنسانا يؤمن بفكرتين متناقضتين دون أن يوجعه رأسه. أفكار متضاربة متناقضة تتعايش في رأسه دون تصادم.
بعد لقائي بتلك المرأة بدأت أسترجع إيماناتي الشخصية وأقارن بعضها ببعض وأتحسس أيضا إيمانات الآخرين. اكتشفت أن المرأة كانت على حق. هؤلاء الذين شتموني بسبب مقالاتي عن المتشددين أو بسبب مقالاتي الأخيرة عن الرياضة تؤكد مقولة المرأة ، وتعطي أنصع الأمثلة عليها. يردد هذا المتعصب باستمرار ( لا فرق بين عربي وعجمي وأن الإسلام دين الأخوة) بينما في دفاعه عن الإسلام يتسلح بسلاح العنصرية والمناطقية والطبقية. هذا الرجل يطبق الإسلام في الرخاء ثم ينسف مبادئه عند اللجاجة والغضب. هؤلاء نموذج جماعي تطبيقي لمقولة المرأة الأمريكية. يتعايش في داخل رأس الواحد منهم منطقان متناقضان. مفهومان أخلاقيان متحاربان دون أن يشعر بوجع في رأسه. في داخله شخصيات متعددة لا يستطيع السيطرة عليها("Multiple Personality Disorder). نفس الشيء بالنسبة لهؤلاء الذين استخدموا لغة العنصرية في الدفاع عن فريقهم الرياضي. يعرفون أن مجد فريقهم قائم على طبقات اجتماعية مختلفة بعضهم سمر البشرة. كيف تدافع عن فريقك بشتم أعضاء فريقك؟ هذا في رأسه مفهومان أخلاقيان متناقضان. مشكلة تتصل بالنضج. عدم الانسجام في منظومة الأفكار الفردية يعكس طفولة العقل. الأمريكي العنصري على سبيل المثال عندما يكره الأسود يكرهه في كل مكان. لا يشجع الفريق الذي يلعب فيه ولا يدخل المطاعم التي يعمل فيها وحتى الكنيسة مختلفة.هذا الرجل على قبح أفكاره إلا أنها منسجمة يعني إنسانا ناضجا. في كل مرة أقرأ لهؤلاء أشكر المرأة الأمريكية التي علمتني شيئاً اسمه طفولة العقل